التزوير الحلال بين القيل والقال






[color:fd32=#c60]10-Jan-2012

لم
يدهشنى حديث الشيخ السلفى الذى تحدث عن أن تزوير الانتخابات واجب شرعى، بل
ما أدهشنى هو أن هذا الشيخ أستاذ مساعد فى كلية الآداب وتخصصه - كما هو
مكتوب فى سيرته الذاتية - لغات وحضارة أوروبية!! كلية الآداب التى أهدت
إلينا من بستانها الفوّاح رواد التنوير المصرى، بداية من د. طه حسين حتى د.
جابر عصفور، يتحول بستانها فجأة إلى حقل أشواك يدمى الأيدى والقلوب ويفرز
لنا هذا الحصاد الأسود المر، والسؤال الذى يفرض نفسه فى زمن الكوميديا
السوداء التى نعيشها: هل لم تعلم الحضارة الأوروبية التى درسها ويدرسها
للطلبة شيخنا السلفى أن الحرية والديمقراطية التى وصفها بأنها نظام فاسد
ومجرم وكفرى بحت هى التى صنعت الحضارة؟ ألم يعرف أن العقل والعلم والسؤال
وفصل الدين عن الدولة لا عن المجتمع هى أعمدة بناء التقدم فى تلك الحضارة؟
ألم تلتصق فى خلايا مخه ولو على سبيل الصدفة مقولات جان جاك روسو أو قصة
جاليليو أو فلسفة ديكارت.. إلخ؟ والسؤال الأكثر إدهاشاً وغرابة وإعجازاً
وتعجيزاً هو: كيف يستطيع مثل هذا الداعية الجليل أن يعيش برأسين! رأس هناك
فى قسم الحضارة الأوروبية، ورأس فى قسم ابن باز وابن عثيمين!

استمعوا إلى ما قاله الشيخ السلفى الذى صار هو وقبيلته أيقونة هذا الزمن
وتميمة هذا العصر، يقول لا فُض فوه عما حدث فى انتخابات مبارك: «الانتخابات
تزويرها صح.. ده كلام جميل، كان يجب أن يزور الانتخابات، ده واجب وياخد
ثواب»، ووصف ثواب «مبارك» فى تزوير الانتخابات بأنه يضاهى الثواب الذى يحصل
عليه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عندما أعدم الشيخ سيد قطب!!!

وتابع: «الرئيس مبارك عمل الانتخابات اللى دخل فيها أيمن نور وغيره بضغط من
أمريكا، وده مخالف للشرع، ولما يرد عليهم بالتفافه هذا جائز شرعاً».
واستطرد زهران قائلاً: «الانتخابات الرئاسية غير جائزة شرعاً، لأنه مادام
هناك رئيس فإما أن يستمر إلى أن يموت أو يستقيل هو، أما لو عمل انتخابات لا
نشارك فيها أبداً»، وأضاف: «إذا كان المنصب خالياً وأجريت الانتخابات
الرئاسية لن تأتى بإنسان كويس أبداً، مستحيل، بل فاسد وشرير وأقل فساداً فى
الظاهر، وفى هذه الحالة نشارك ونختار الأقل شراً، ولكن إذا أجرى الأقل
شراً انتخابات أخرى لا نشارك فيها».

وصف الشيخ السلفى المجلس العسكرى قائلاً: «المجلس العسكرى إمام مؤقت له
السمع والطاعة فى المعروف، لكن لو هم عجبتهم الحكاية واستولوا على السلطة،
والله ياريت، ويبقى إحنا سمع وطاعة على طول».

خرج بعض السلفيين علينا بنفس النغمة والأسطوانة المشروخة قائلين: «ليس هذا
الرجل بسلفى نقى بل هو سلفى مدخلى»!! كلما صرح سلفى منهم تصريحاً قالوا:
هذا لا يعبر عن السلفيين، يخرج «الشحات» بشمع التماثيل وتكفير نجيب محفوظ
فيقولون: إنه لا يعبر، وعندما يبغض «برهامى» الأقباط ويطالب بمسح صليب
الشيفروليه يقولون: استمعوا فقط إلى بكار!! وعندما يصرح نائب رئيس حزب
النور بالدقهلية بأن فوزهم الانتخابى مذكور فى القرآن يعترضون قائلين: بكار
وبس، وعندما يصرح «بكار» نفسه بأن الرئيس القبطى حرام يشككون: ليس هذا
بكارنا بل بكار آخر!!

لا يهمنى خلاف المدرسة السلفية المدخلية مع المخرجية، ولا يهمنى أى لحية
تتكلم وتعبر عن هؤلاء، إنما ما يهمنى حقاً هو هذا السؤال الخطير: «إلى أين
يتجه عقل مصر؟».